من يوميات مواطن سوري صالح ..

من يوميات مواطن سوري صالح ..

- ‎فيأقلام

صهيب عنجريني

يخرج مُطيع أبو راضي من منزله مبتسماً. يقطع الزقاقات الضيقة، إلى الشارع العام. يتعكر مزاجه لدى مشاهدة مئات السيارات وقد انتظمت في طابور طويل، أمام إحدى الكازيّات. «لماذا يصرّ هؤلاء السفلة على الإيحاء بوجود أزمة بنزين؟»، يقول لنفسه، ويطلق على أصحاب السيارات ما يليق بهم من الشتائم، والصفات. أمضى مطيع الأيام الماضية يتابع كل تصريحات المسؤولين، وهم يؤكّدون أن «الأزمة مفتعلة»، والقضية محسومة بالنسبة له. طال انتظاره لـ«باص النقل الداخلي»، لا شكّ في أنّ المؤامرة وصلت إلى هذا القطاع أيضاً بسبب ضِعاف النفوس. لا يريد الرجل التأخر، فقد حان موعد تسديد فاتورة الكهرباء منذ الأمس، وهو لا يحب التباطؤ في تسديد ما عليه للحكومة. يتذكر انتقادات زوجته المستمرة: «الفاتورة عم تطلع كبيرة، مع إنو الكهربا مقطوعة كل الوقت، قدّم اعتراض يا زلمة». يدعو لها بالصلاح، فهي «امرأة جاهلة. لا تعرف أن من واجبنا الوقوف إلى جانب الحكومة في هذه الظروف». خطر له أن يقطع الوقت في قراءة تفاصيل الفاتورة السابقة، ريثما يأتي الباص. وقعت عينه على بند «المجهود الحربي»، فابتهج. ضميره مرتاح تماماً، فهو مشارك في تغطية نفقات الحرب، وهذا يعوّض عجزه عن القتال بعد أن بُترت ذراعه. ينتقل بصره إلى البند التالي، فتكبر ابتسامته: «إعادة الإعمار». يحب مطيع هذا البند أينما وُجد. في فواتير الكهرباء والهاتف، فواتير المطعم الذي يرتاده مرة في الشهر بسبب «نق زوجته»، طوابع المعاملات في دوائر الدولة… إلخ إلخ إلخ. «في أحلى من إنك تكون شريك بتعمير البلد؟»، يردّد دائماً في كل نقاش مع الجهلة المتذمّرين، ويتطلّع بتوق إلى ذلك اليوم الذي ستبني فيه الحكومة مساكن جديدة، وتبيعه واحداً منها، بدلاً من بيته الذي دمّره المجهود الحربي، قبل أن ينزح من مدينته. البند الأحب إلى قلب مطيع هو «طابع شهيد»، لا بدّ من المساهمة في تحسين ظروف أُسر الشهداء. يعرف مطيع تماماً أن ظروف زوجة أخيه الشهيد بالغة السوء، وكذلك حال عائلة عمّه، وجارته المقعدة التي خسرت ثلاثة أبناء. «أكيد لأنو الناس عم تقصّر بدفع الفواتير، وبالتالي عم تنقص حصص الشهيد»، يقول دائماً، ويغضب على المجتمع، ويدعو الله أن يعين الحكومة على هذا الشعب الذي «ما بيستاهل تعبها». تأخّر الباص كثيراً، والساعة صارت التاسعة، ما يعني أن مركز الجباية قد فتح أبوابه منذ نصف ساعة. يحزم مطيع أمره، ويقرر الذهاب سيراً، يرفع ياقة معطفه الذي اشتراه من «البالة» منذ أيام، ودفع فيه ثمناً مضاعفاً بسبب جشع البائع الذي تذرّع بأن «الحملة ضد التهريب» هي السبب. «شعب فاسد، لا حلّ له»، يقول مطيع بصوت عالٍ، ويمشي مسرعاً، فوق برك الوحول والمياه، من دون أن يفوته شكر ربّه على نعمة المطر.
الأخبار

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *