خبراء يدقون ناقوس الخطر في سوريا

خبراء يدقون ناقوس الخطر في سوريا

- ‎فيسوريا

لم تبخل السماء هذا العام بهطولات مطرية مدرارة ما عهدتها البلاد منذ أعوام، حتى روت قدرة تخيل أكثر الناس تفاؤلاً بعد سنوات من القحط والجفاف، أهلكت المواسم الزراعية. لكن الترف المائي الآني لن يلغي الوقائع الجغرافية التاريخية، ورغم أن الحقيقة مرة، فإن سورية لا تعدّ من الدول الغنية بالمياه، فبالإضافة إلى خط الفقر المادي الذي يعيش تحته المواطن السوري، تشير الدراسات بأن حصته من المياه هي ما دون خط الفقر المائي العالمي أي أقل من 1000 م3 سنوياً، ولذا آن أن يدق ناقوس الخطر وأن يستفيق المسؤولون النائمون في العسل، في ظل تغيرات مناخية تنبئ بالعوز المائي.

 

 

 

تحت خط الفقر المائي

يؤكد خبراء في الموارد المائية التقتهم “الأيام” أن الموارد المائية في سورية بشكل عام محدودة، من حيث حصة الفرد، من مجمل الموارد السطحية والمياه الجوفية المتجددة، وعند تقسيم الرقم الإجمالي للمياه الجوفية المتجددة والمياه السطحية على عدد السكان ستكون حصة الفرد ما بين 700 إلى 800 م 3، في حين أن التعريف العالمي للفقر المائي هو 1000 م3، ولذا فنحن تحت خط الفقر المائي ويمكن أن نصل إلى العوز أو الفقر الشديد أي حدود 500 م3 للفرد الواحد، يضاف إلى ذلك التباين الكبير بين الهطولات المطرية سنوياً مقارنة مع الدول المدارية الأوروبية، أي يمكن أن يمر 3 سنوات جفاف متتالية مقابل سنة رطبة جداً، كما يشمل ذلك التغيرات الفصلية الطويلة الجافة والفصول المطرية القصيرة المحصورة في 3 إلى 4 شهور.

ويتفق الخبراء على أن الزراعة بشكل عام هي المستهلك الأكبر للمياه وفي سورية ترتفع النسبة إلى أكثر من 87%، لذا يلزم التركيز لرفع كفاءة استخدامها في الري، ولا يعني ذلك التقليل من المزروعات التي تمثل الأمن الغذائي.

وينوه الخبراء إلى أن الآبار غير المرخصة كانت تحفر بشكل عشوائي ما قبل الأزمة وازدادت خلالها بما رفع ضخ المياه وتكلفتها وأدى إلى هبوط مناسيبها واستنزاف وتدهور هذه الموارد الجوفية التي تستغرق وقتاً لعودتها إلى سابق عهدها، بالإضافة إلى تفعيل القوانين الناظمة لحفر الآبار، وهنا يمكن التنويه لأن يكون ضخ المياه من الآبار مقننا حسب الحاجات وخاصة للفلاح تبعاً لنوع المحصول، كما يمكن فرض رسوم على كميات المياه الزائدة عن الحاجة لتكون رادعا للمزارع من خلال عداد يوضع على كل بئر، بتسعيرة وتعرفة تتزايد بشكل تصاعدي بما يواكب الاستخدام وهو ما يطبق في دول عديدة.

آبار عشوائية تستنزف المياه الجوفية

يقول د.عمار برادعي (أستاذ في كلية الهندسة المدنية – رئيس قسم الهندسة المائية – جامعة حلب): إن الطفرة في الزيادة السكانية التي شهدتها سورية منذ أواسط السبعينيات أدت إلى ازدياد الاحتياجات المائية لأغراض الزراعة المروية والشرب، كما أسهم النهوض في مجال الصناعة والتجارة والسياحة إلى تضاعف الطلب على الماء، بنسبة زادت عن ألف بالمائة عما كانت عليه مع بداية السبعينيات.

ومن وجهة نظر د. برادعي فقد دفع ذلك الحكومات السورية المتتابعة إلى التوسع في المشاريع المائية بغية استثمار أكبر كمية من الموارد المائية السطحية والجوفية، ورافق ذلك ظهور مشاكل حادة هي استنزاف كبير في المياه الجوفية نتيجة حفر عشرات الآلاف من الآبار دون الاعتماد على دراسة هيدروجيولوجية بعيدة الأثر، وتملح عشرات آلاف الهيكتارات من الأراضي الصالحة نتيجة الري الجائر بطرق ري سطحية بدائية.

يدق د. برادعي ناقوس الخطر المائي “أصبحنا غير بعيدين عن أزمة مائية مزمنة إذا لم نبدأ بتطبيق استراتيجية مائية ذات بعدين: الأول إسعافي في عدم هدر نقطة ماء متوفرة سواء كان مصدرها الأمطار أو الينابيع أو المياه غير التقليدية كمياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي وغيره، والناتج عن كل الفعاليات المدنية عن طريق اعتماد طرق معالجة مختلفة ومناسبة لكافة أنواع المياه المنخفضة النوعية”.

ويضيف د. برادعي “أما البعد الثاني فهو على المدى الطويل لتأمين استقرار سكاني واقتصادي في المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب، حيث الحاجة اليومية الماسة لمياه الشرب والمياه اللازمة للفعاليات الاقتصادية. ولا يتم ذلك إلا عن طريق حلول ذات كلفة اقتصادية عالية مثل جر مياه الينابيع البحرية والساحلية إلى دمشق أو استخدام تقنيات متطورة لتحلية مياه البحر وجرها إلى دمشق…لأن مياه الينابيع المتوفرة والقريبة من دمشق أصبحت لا تغطي الاحتياجات اليومية… الآن بمساعدة الآبار، التي بدورها لن تفي الاحتياجات المطلوبة إلا لفترة زمنية ليست بعيدة”.

مشروع جره المياه من الساحل

يشير الخبراء بأن مشروع جره المياه من الساحل يعدّ مشروعاً طموحاً وتمت دراسته من قبل بعض الشركات الدولية، لكن تنفيذه توقف تزامناً مع الأزمة وكانت الخطة جر المياه من مجموعة ينابيع في حوض الساحل وأخرى عذبة تحت البحر مقابل ساحل بانياس، إلا أن كلفة التنفيذ والتشغيل مكلفة جداً كالحاجة إلى أنابيب كبيرة ومحطات ضخ المياه.

أما بالنسبة لإمكانية التعويل على السدود لحل الفقر المائي، يبين الخبراء بأنه يوجد في سورية نحو 162 سداً، وبالتالي لم يعد هناك خيارات لبناء سدود جديدة، وفي ظل التغييرات المناخية فإن كل التوقعات والدراسات تشير إلى أن المنطقة العربية ومنها سورية ستشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة وتناقصاً بمعدلات الهطول المطري وازدياداً بالتبخر، لذا فإن فرصة السدود ضئيلة جداً. هناك نقطة مهمة وهي حصاد مياه الأمطار واستخدامها بكفاءة عالية كإقامة سدات مائية صغيرة واستخدامها للري ولا سيما في حوض الساحل حيث تذهب مياه أمطاره إلى البحر. كذلك يتقاطع مشروع تحلية مياه البحر مع مشروع جر المياه من الساحل، ما يعني نفس التكلفة إضافة إلى تكلفة التحلية، وهي مشروع بعيد المدى إلا أنه ضرورة ملحة مستقبلاً مع مخاوف من الوصول إلى الفقر الشديد.

يشدد د. منذر خدام (أستاذ في كلية الاقتصاد – جامعة تشرين) أن سورية دخلت منذ نحو عقد أو أكثر قليلاً في نطاق العوز المائي وذلك بالقياس إلى خط الفقر المائي العالمي المحدد بنحو 1000 م3 في السنة.

في الوقت الراهن يبلغ نصيب الفرد الواحد من المياه في سورية نحو 630 م3 في السنة لجميع الاستخدامات… ومما يفاقم من هذه الحالة هو التعامل غير الرشيد مع الموارد المائية المتاحة سواء لجهة السحب غير الآمن من الأحواض الجوفية وكثرة الآبار غير المرخصة. إلا أن د. خدام لا يبدي خشية كبيرة، فالمياه الجوفية برأيه هي مورد مائي متجدد ولذلك فهي لا تنضب وإن كان السحب الجائر منها قد يدفعها للغور.

ولا يخفي د. خدام بأن تركز السكان حول دمشق زاد كثيراً من حجم الطلب على المياه أكثر من العرض المائي المتاح. ومن المعلوم أن حوض بردى والحوض المائي يحتاج إلى هطولات مطرية سنوية تزيد عن 300 ملم حتى يمتلئ الحوض الجوفي. حيث زاد معدل الهطل السنوي هذا العام عن 300 ملم، ولذلك فإن تدفق الينابيع في المنطقة بلغ حده الأعظمي.

وكان سبق أن اقترح د. خدام ضمن مشروع استشراف مسارات التنمية في سورية إنشاء مدن صناعية في ريف الرقة أو الحسكة متخصصة في معالجة القطن مثلاً بما يخفف من الضغط السكاني على دمشق وجوارها، وبالتالي تخفف من الطلب على المياه.

ويذكر د. خدام أن شركة هولندية للدراسات قدمت دراسة جدوى نقل المياه من جنوب بانياس، حيث توجد أنهر تحت أرضية، تصب في وسط مياه البحر بالقرب من الشاطئ، فتبين أن التكاليف باهظة لذلك جرى التفكير بالاستعاضة عنها بجر المياه من الفرات إلى تدمر ومن ثم إلى دمشق لكن هذا المشروع توقف نتيجة لتفجر الأزمة.

الزراعة تستهلك 83% من المياه

ويختم د. منذر خدام “على المدى المنظور إن حل المشكلة يكون بترشيد استعمالات المياه خصوصاً في الري، إذ تستهلك الزراعة لوحدها نحو 83% من المياه المتاحة، وكذلك ضبط الهدر الذي يتسبب في ضياع نحو ٢٥% من كمية المياه خلال شبكات النقل. على المدى الاستراتيجي فلا حل لمشكلة العوز المائي إلا من خلال التفاهم مع تركيا خصوصاً إذا استمرت الهطولات المطرية بالتراجع… أما إذا استمرت الأمطار كما في السنة الحالية فلا مشكلة مائية في سورية في المدى المنظور ويبقى التعامل الرشيد مع الموارد المائية ضروري في مجمل الأحوال”.

يرفع الخبراء أصواتهم محذرين من نضوب المياه الجوفية إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة، والمثال ما حصل في محافظة درعا التي اشتهرت بزراعة القمح والشعير لكن في الفترة الأخيرة انتشرت زراعة الخضروات حيث نشطت عملية حفر الآبار غير المرخصة، وبدأ الضخ من دون ضوابط، وزاد الطين بلة، حدوث الأزمة ما أدى إلى نضوب الكثير من الآبار فضلاً عن بحيرة مزيريب، لكن السنة المطيرة الحالية عوضت جزءاً من النقص، بيد أنه غير كاف، ما يتطلب إجراءات رادعة لإدارة الموارد الجوفية. أما بالنسبة لحوض موارد دمشق المحدودة مع تزايد عدد السكان، هنا تجدر الإشارة إلى أن الكثافة السكانية بعد الهجرة من الريف إلى المدينة نتيجة ضعف العوامل التنموية فيها خلق مشكلتين إحداهما هجرة المزارعين إلى المدينة بشكل أدى إلى تراجع مساحة الأراضي المروية والمزروعة يرافقها تدني الإنتاج الزراعي، أما المشكلة الثانية فهي زيادة الضغط على الموارد المائية، في حين أن ألف باء التنمية هي تركز السكان بالقرب من الموارد الطبيعية كالماء والأراضي.

وبحسب أساتذة جامعيين، تقدر المياه المتجددة في سورية بنحو 16 مليار متر مكعب سنوياً، ونحو 10 مليارات سطحية كالأنهار والبحيرات، إضافة إلى 6 مليارات مياه جوفية، كما تتشارك سورية مياه جوفية وسطحية مع كل الدول العربية المجاورة وتركيا كالفرات ودجلة ما يعقّد المشكلة لأن أي استثمار تنموي للموارد سيكون خاضعاً لقرار دول المنبع كتركيا، ومثال ذلك جفاف نهر قويق المغذي لحلب سابقاً بشكل نهائي، إلا أن عوض بجر مياه من الفرات إلى المجرى، ونفس المشكلة حدثت في نهر الخابور الذي كان يغذى من رأس العين، والذي تحول إلى حوض لتجميع المياه فقط نتيجة الاستثمار الجائر للموارد.

وبناء على دارسة زودنا بها د. منذر خدام فإن كميات الأمطار التي تهطل في سورية تقدر بين 30 و 55 مليار م3 في السنة، تبعاً لغزارة الأمطار. وحسب مصادر وزارة الري السورية يبلغ متوسط الهطول السنوي في سورية نحو 46 مليار م3 في السنة. أما مصادر مركز الدراسات والبحوث المائية في دمشق، فتشير إلى أن متوسط التهطال السنوي في سورية خلال الفترة 1994-1998 قد بلغ 49.7 مليار م3. علماً أن القسم الأعظم من الهطولات المطرية يعود فيتبخر ثانية، بسبب وقوع سورية في المنطقة الجافة وشبه الجافة.

فقر بالبحيرات الطبيعية

من ناحية أخرى تفتقر سورية بصورة عامة إلى البحيرات الطبيعية، حيث يوجد خمس بحيرات طبيعية عذبة فقط أكبرها وأهمها بحيرة قطينة التي تقع بالقرب من حمص.

وبلغت المساحة الزراعية المروية في سورية في عام 2000 نحو 1210.5 ألف هكتار استهلكت من المياه نحو 12 مليار م3 استناداً إلى مقنن مائي حقلي يبلغ نحو 10 آلاف م3 للهكتار الواحد في السنة. من جهته، فإن الطلب المنزلي على المياه هو الآخر في توسع مستمر بسبب تزايد السكان وتحسن ثقافتهم ومستوى حياتهم.

لتكوين فكرة عن إنتاج واستهلاك مياه الشرب خلال الفترة من 2000 إلى 2004 لقد ازدادت كمية المياه المنتجة في عام 2004 بالقياس إلى عام 2000 بنسبة 14.71%، أي بمعدل وسطي يبلغ نحو 2.94%، وفي الوقت ذاته ازداد الضياع في الشبكة بنسبة 20.68%، أي بمعدل وسطي يبلغ نحو 4.13% خلال الفترة ذاتها.

وبالنظر إلى تزايد السكان وتوسع الطلب على الغذاء فإن مستوى الأمن في الميزان المائي السوري سوف يتدهور بحدة، ابتداء من عام 2010 وسوف يصل إلى مستويات خطيرة جداً بحدود عام2025. وكل ذلك يستوجب ترشيد الاستهلاك وخاصة في الزراعة، ووضع مشاريع تحلية مياه البحر ضمن خطط زمنية قادمة قبل فوات الأوان.

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *